
جواد بنعيسي
حاولتُ ألا أتحدث في الموضوع لكنني لم أستطع التصرف وكأنني لم أسمع ولم أر. وإلا ففيم تُفيد الكتابة إذا لم تكن رد فعل على ما لا نتفق بشأنه؟!
الموضوع المقصود يتعلق بالمناظرة التلفزيونية بين العروي وعيوش، وبالتحديد ما تفوه به هذا الأخير بقوله أنه صديق للملك، سيما أنه لم يُخبرنا بأمر جديد في هذا الصدد، حيث سبق له أن قال نفس الشىء من قبل، في منابر صحافية أخرى. بيد أنه حينما كرره أمام ما يقرب من مليونيين من المشاهدين المغاربة اللذين كانوا ليلتها أمام الشاشة، فإنه يصبح من واجبنا أن نطرح بعض الأسئلة.
أن يكون للملك أصدقاء فهذا أمر طبيعي. فالملك قبل كل شىء إنسان، يمكن أن يكون له أصدقاء كما أعداء. غير أن موقع صديق الملك أكثر تعقيدا مما يمكن تصوره.
الملك ليس شخصا عاديا بكل تأكيد، فهو يجسد السلطة العليا للبلاد، سلطة ليست فقط سياسية واقتصادية، بل رمزية كذلك. الملك يجسد أيضا الإرادة العليا للأمة، فباسمه يُعلن القضاة أحكامهم! ونجد في أي نظام ملكي أن أصدقاء الملك مُلزمون بواجب التحفظ ولديهم حس التكتم بخصوص الأمور التي لا يجب أن تصل إلى عِلم الإنسان العادي. بل حتى أفراد الطبقة السياسية يتركون الجانب الفضولي فيهم جانبا، ولا يسعون إلى الاطلاع على تلك الأمور. ذلك لأن الأمر يتعلق بأشخاص يُمكن للملك أن يُفكر أمامهم بصوت مسموع، أشخاص مطلعون، بشكل أقل أو أكثر، على حميمية الملك.. أشخاص يعرفون حالاته المزاجية ويُمكنهم معاينة لحظات غضبه.. يتعلق الأمر بأشخاص يُفترض أن يُديروا ألسنتهم في أفواههم سبع مرات قبل أن يتوجهوا بالحديث إليه.
لذا، لا يُمكن أن يدعي أحدهم أنه صديق للملك، حينما يكون مُجبرا حين إجراء اتصال به في الهاتف، على أخذ موعد لدى سكرتيره الشخصي. لا يُمكن أن يكون صديقا للملك مَن اختار أن تكون له حياة عامة وحضورا إعلاميا كثيفا. الأكثر من ذلك أنه ليس من حق مثل هذا المرء أن يرفع صوته عاليا بصداقته للملك حينما يكون رجل أعمال يُشرف على عدة شركات، من بينها مَن تحصل على اتفاقات أداء خدمات مع مؤسسات الدولة. إن هذا أمر غير مقبول من وجهة نظر ديموقراطية وأخلاقية.
ليس هناك أي موظف، سواء كان صغيرا أو كبيرا، يُمكنه أن يضع سي عيوش في مكان على قدم المساواة مع باقي المنافسين، بعدما سمع الرجل يقول في التلفزة إنه صديق الملك.
وهنا أتساءل: هل كان هذا هو الهدف الذي سعى إليه صديقنا عيوش حينما أطلق تصريحات من هذا القبيل؟ الرجل ليس غبيا، إنه رجل أعمال وتواصل، وبالتالي لا يُمكن أن يسمح لنفسه بإطلاق مثل هكذا تصريحات خطيرة، تمس بشأن الديموقراطية، كما لو أننا في بلاد حيث لا وجود للمؤسسات ولا للقوانين ولا للقواعد.
بكل نزاهة، أقول إنني لم أستشعر أية عفوية في هذه الصداقة، ومن موقع مُخالطتي لعدد من البشر من نفس العينة، يمكنني أن أؤكد أن رجال الأعمال لا أصدقاء لهم، لا وجود سوى للمصالح. وبما أن لدى السيد عيوش شركات تشارك في طلبات العروض العمومية، فإنه لم يكن حريا به أن يهتف عاليا بالإمتياز الذي يمكن أن يكون له من موقع صداقته للملك، اللهم إذا كانت غايته أن يفت في عضد الموظفين الكبار للدولة، ليظفر باتفاقات بعيدا عن أية منافسة مشروعة.
شخصيا لا أعرف أصدقاء جلالة الملك، أعرف من بعيد أولئك الذين يُطلق عليهم اسم “أصدقاء الدراسة”، أي أولئك الذين ترعرعوا مع الملك. غير أن هؤلاء ليست لديهم تقريبا حياة عامة. ويتوفرون على حس تكتم مثير، ذلك لأنهم أدركوا طبيعة مهامهم. وفهموا بالأساس أن هالات الغموض تغذي السلطة وتدعمها. ذلك أن سلطة بدون غموض ليست بسلطة، بل مجرد سلطات عادية.
في حين أن الثرثرة الاستعرائية، تقتل غموض السلطة وتعرض هذه الأخيرة لمخاطر جدية.
في المغرب لا يُشكل أصدقاء الملك مؤسسة سياسية من خارج الدستور، ولم يحدث أبدا أن كانت الصداقة الملكية مصدرا لأية مشروعية. واللذين من بين أصدقاء الملك يشغلون مناصب مسؤولية، يصدرون في أعمالهم، عن المجال المحدد لمهامهم الوظيفية، وهم عرضة للمحاسبة فيما يفعلون!
سواء أردنا ذلك أم لا، فإن المغرب ديموقراطية تتابع طريقها. وحتى أفراد العائلة الملكية لا يتدخلون في تدبير أمور الدولة وأدارتها، فنحن لسنا ملكية خليجية، وسيكون من الأفضل لسي عيوش ألا ينسى هذه الحقيقة.

0 التعليقات:
إرسال تعليق