في الوقت الذي اختفى فيه شباط لقضاء فترة العدة بعد طلاقه من بنكيران، يسابق هذا الأخير الزمن لعقد قران جديد من أجل إعادة الاعتبار لفحولته التي تأثرت صورتها بفشل زواجه الثالث بعد زواجين ناجحين لحد الساعة بكل من نبيل بنعبد الله و امحند العنصر..
وقد وجد بنكيران بالفعل أصهاره الجدد في عائلة الأحرار، الذين تقبلوا مبدئيا خطبته لكريمتهم، وقرأوا معه الفاتحة، مفوضين لكبيرهم صلاح الدين مزوار مهمة التفاوض بشأن الترتيبات الاعتيادية في مثل هذه الحالة، من حيث تحديد قيمة المهر وباقي الشروط التي يتطلبها عقد القران الرسمي بين العرسان، وهذا طبعا بعدما تأكدوا -حسب بنود المدونة- من حصول موافقة الزوجتين الأخريين اللتين على ذمة بنكيران..
ويبدو أن عائلة الأحرار قد أعجبتها كثيرا مصاهرة عائلة بنكيران، ولذلك عوض أن يتنقل العريس المرتقب، أي بنكيران، إلى بيت العروس، فقد حصل العكس، حيث تنقل كبير الأحرار أغلب الوقت إلى بيت صهره المستقبلي أو إلى المكان الذي يختاره، وإذا كان هذا ضد الأعراف المتواضع عليها، فإنه ليس غريبا بقدر كبير عن عائلة الأحرار التي تحسب من العائلات المتحررة أو التي تدعي التحرر ومسايرة العصر، بعكس عائلة بنكيران المعروفة بمحافظتها وحرصها على التقاليد وإبقاء الأشياء الموروثة عما هي عليه دون تغيير..
في الجلسات التي جمعت المتصاهرين الجدد شرب الجميع الشاي وتبادلوا كالعادة أحاديث حول الفخر التي تجده كل عائلة بمصاهرة الأخرى، وأنهم جميعا لا يرغبون إلا في نجاح الزيجة المرتقبة بما يضمن الزيادة في توطيد العلاقة عن طريق الرفاه والبنين الذي عبر عنه الجميع للعريس والعروس، وفي هذه الأجواء المفعمة بالود والشاي والحلوى أيضا، لم يتردد بنكيران العريس من حين لآخر في تعداد محاسن العروس ومدى الحب الذي يجده اتجاهها منذ زمان بعيد، كما أن العروس لم تستح من ذكر مناقب فارس أحلامها الذي جاء أخيرا على جواد حقيقي ومعه مصباح يشبه مصباح علاء الدين، لكنها لم تجرؤ على مقارنة ذلك جهرا بمطلقها السابق عباس الفاسي الذي كان تزوجها سنوات قبل أن تفرق بينهما ظروف الحياة رغم أن بنكيران يعلم كثيرا عن ماضيها مع أزواجها الكثيرين..
وبالموازاة مع ذلك نشطت ألسن الجيران والمعارف وطافت الأخبار الدروب والأزقة والمقاهي عن الاستعدادات الجارية على قدم وساق للاحتفال بالزفاف المرتقب الذي اعتبره الجميع في حكم المؤكد، وأن لاشيء يبقيه حبيس النوايا غير مرور شهر رمضان أو شهر العطلة على أبعد تقدير، وقد شملت الأخبار أيضا حتى الأمور الحميمية التي ستجمع بين العريس والعروس، ومدى إمكانية تأثيرها على الزوجتين القديمتين لبنكيران، كما طال الحديث أيضا الغيرة التي بدأت تجدها هاتين الأخيرتين والخوف الذي غزا بعضهما اتجاه إمكانية خيانة بنكيران لحبه القديم ولمبدأ العدل بين الزوجات كما يأمر بذلك الشرع الذي يؤمن به الفقيه.
لكن، وفيما شرعت النكافات ومجموعات الحضرة تتجهز استعدادا للعرس الذي، إن تأخر، فإنه لن يتعدى شهر أكتوبر كما صار الجميع يترقب، بحكم أن أعراف البلاد تحدد أكتوبر كشهر لشتى أنواع الدخول، والدخلة من الدخول هي الأخرى، في هذا الوقت بالذات بدأت "الطنقنيقات" تتردد عن وجود خلاف داخل عائلة بنكيران المحافظة، والتي تحب المحافظة على كل شيء وحمايته من أي تغيير قد يمسه، ومضمون هذه "الطنقنيقات" أن بعض أفراد عائلة العريس غاضبة من طبيعة الشروط التي تريد عائلة الأحرار فرضها على بنكيران بعدما تأكد لها أنه مربوط في كريمتهم، وأنه لن يستطيع من أجلها ان يرفض لهم طلبا، ولهذا بدأوا يناقشون معه أشياء تعتبر في عرف عائلته أمورا خاصة بسلطة الذكر، أي الرجل، الذي هو قوام على المرأة، من مثل إعادة النظر في البيت كله، بل إنهم تجاوزا ذلك إلى الحديث عن الطريقة التي يجب أن تكون عليها المعاشرة مستقبلا، وعذرهم أنهم يريدون الاطمئنان على كريمتهم، وعلى مستقبلها داخل بيت بنكيران، وهذا الأمر بالذات هو الذي لم يستطع بعض أفراد عائلة بنكيران بلعه قبل هضمه، فهم شيوخ وقورون يعرفون شيئا واحدا فقط، وهو إذا خرجت الزوجة الأولى، أي شباط، فإن الزوجة القادمة يجب أن تكتفي بتعويض الأولى، وأن لا تطمح إلى شيء آخر، تلبس ثيابها التي تركتها، وتنام في ذات السرير، وتطيع بلا نقاش أو زيادة كلام..
ويبدو، والله أعلم، أن الأمور لحد الآن مازالت تدور بين هؤلاء الغاضبين "حسي مسي"، بعكس المؤكد في حالة بنكيران العريس، حيث لا يرى الجميع لحد الساعة سوى حماسه وتشوقه وإصراره على تفنيذ كل ما يمكن أن يقال عن فحولته بعد طلاقه من شباط، بل ثمة من يذهب ابعد بالقول إن الرجل لم يعد يلبس سروالا، فقد نزعه وصار يحمله على كتفه، فالعفريت عوال مائة في المائة على الدخلة قبل من أكتوبر...

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
Test © جميع الحقوق محفوظة