العيد المغربي في المهجر بين حيرة التقويم القمري والغربة الاجتماعية!

العيد المغربي في المهجر بين حيرة التقويم القمري والغربة الاجتماعية!

محمد السقيفاتي
- أريد أن آخذ يوم عطلة لغرض الاحتفال بعيد الأضحى مع عائلتي.. - ليس بمشكل، لكن أي يوم تريد؟ يسأل رب العمل  - لا أعرف، ربما الثلاثاء القادم وربما
محمد السقيفاتي
محمد السقيفاتي
الأربعاء. - أنت تصعب علي الأمور فقط، أتفهمك أنت، لكن ما لا أفهمه هو كيف يعقل أن يكون لكم عيد وتريدون الاحتفال به وأنتم لا تعرفون مسبقا في أي يوم سيأتي؟
هكذا يقدم العامل أو العاملة طلبه لرب العمل…
التقويم القمري للأعياد، يشكل في غالب الأحيان عقبة أولى في طريق تيسير رب العمل لطلبات العمال المسلمين في بلدان إقامتهم. في بعض الحالات
يضطر العمال الى أخذ يومين عطلة كي لا يكون رهانهم على يوم خاسر..
طلب يوم عطلة يكون كما شراء الأضحية من أهم التهييئات للعيد التي تبدأ أسابيع قبل حلوله. في بعض المرات يُعيد المسلمون في هذه الرقعة الصغيرة المسماة بهولاندا في يوم واحد، في مرات أخرى يُعيد الأتراك مثلا في يوم آخر غير يوم عيد المغاربة.
والمغاربة متميزون في هذا جدا، إنهم الوحيدون الذين لا يتبعون في أعيادهم بلدهم الأصلي. سخطهم على أصحاب القرار في وطنهم جعلهم يرتمون، بشبه إجماع، في أحضان قرار السعودية. العيد هنا يسند على وجود الأطفال في العائلة وحضور أب فيها، بشكل كبير. إنهما ركيزتان أساسيتان للحسم في قرار شراء أضحية أو الإستغناء عنها أو البحث عن بدائل أخرى.
- اشتريت هذا العام خروفا يا علي، أستذبحه غدا؟ يسأل محمد زميله في العمل بالهولندية، يفعل ذلك بصوت مرتفع يدل على رغبة مكبوحة في أن يصل شعوره بالتآزر والاحتفال إلى أكبر عدد من المشاركين، فترد عليه فاطمة بدل الذي تلقى السؤال:
- لا أفهم هوسكم بالذبح والدم. أمعوزون أنتم؟ أينقصكم لحم؟ قل لي علي، لماذا خروف في حين أننا قد نبادل بعضنا بعضا هدايا صغيرة ونتقاسم فرحنا دون آهات خرفان وصيحات نشوة لهمجي كنت أظنه إنسانا!
- أنت تعقدين الأمور فقط، إنه ديننا وعلينا أن نحترمه، بدءا من سنة ابراهيم عليه السلام. هكذا يدافع عن على نفسه أمام فاطمة بينما هي تواصل كلامها وقد شمت رائحة الدم تفور.
- لا ثم لا.. ليس هدر الدم من الدين، كيف يعقل أن يطلب الله الرحمان الرحيم قرابين من عباده، لم أكن أعرف أنه دموي، أوصلت دمويته الى هذا الحد؟
- الآن تتجاوزين الحدود يا فاطمة، لا تدخلي الله في هذا النقاش.
- كيف؟ تحرمني من الكلام عن الله، وأنت توظف اسمه بمناسبة وبدونها؟ لدي الحرية أن أتكلم وأنا أقول أن على الله أن يتحضر شيئا بعد كل هذه القرون ونترك الخرفان الى حين حاجتنا اليها…
مظلة الحريات تجعل النقاش ممكنا دون استعمال العنف أيا كان نوعه..
للعيد مراسيمه التي لا تتغير كشراء ملابس جديدة، تهيئ الكيك والكعكعات، يوما أو أياما قبل حلوله، خضب أيادي الصغار والنساء بالحناء. الذهاب الى المسجد وأداء صلاة العيد، تبادل تهاني العيد في تسرع لأخذ وجهة المجزرة وفي يدك رقم خروف اشترتيه وسيتم اليوم ذبحه.
وحين يصل اللحم الى الدار تبدأ ولائم الأكل والشواء وتتوالى زيارات الأقارب جيئة وذهابا. هذه المراسيم لا تتغير كما خطبة العيد، كل عام ونفس الحكاية بنفس الأدلة… لكن هذا العام جديد والعيد حلته جديدة، لكونه تزامن مع بداية أسبوع عمل، إضافة الى التساقطات المطرية هذه التي جعلت أجواءه تتغير كثيرا.
المجازر ممتلئة رغم دعوات هنا وهناك الى مقاطعة الذبح بسبب ارتفاع مهول لأثمنة الخرفان، في ظل أزمة اقتصادية متفاقمة. انتظار لحم الخروف الذي لم تره وهو على قيد الحياة قد يدوم ساعات تحت رذاذ كثيف للمطر. شواء اللحم قد لا يتم على النار والفحم، زيارات لن تتم بسبب العمل والتزاماته.
شباب يلبسون جلابيبهم وعباياتهم وعليها معاطفهم. تذكرني بهوية انتشرت كثيرا على الشاشات التلفزيونية أيام الحرب على الطالبان. التهاني الكتابية عبر الرسالة القصيرة تتم بالعربية، مصحوبة بآيات أو دعوات في كثير من الأحوال، لا يفهمها لا مرسلها ولا الذي تسلمها من الأجيال الناشئة هنا في هذا الوطن.. ليس كل عائلة لها خروف، ليس كل مسلم في عطلة، كل واحد له ظروفه الخاصة وطريقة الاحتفال به أو عدم الإحتفال به. شيء من الحرية يجعل الناس أمام إمكانية الاختيار، أن يرتبوا أيامهم هذه كما يشاؤون…
- كيف مر عيدك اليوم؟ يسألني صديقي حسن عبر قناة تواصل اجتماعي.
- أنا الآن في العمل، عيدي سيبدأ في المساء.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
Test © جميع الحقوق محفوظة