تحليل اجتماعي: “أنا بيضاوي.. حنا راه بيضاوة”… (عن النرجسية الجماعية)

عبد الله زارو

أصادف هذه الأيام بأكادير شرائح مختلفة من مشجّعي فريق الرجاء البيضاوي، بمناسبة إنطلاق منافسات الموندياليتو 2013.
عبد الله زارو
عبد الله زارو
يتعلق الأمر بخليط عمري، وطبقي، وسوسيوثقافي نزل بعاصمة سوس، و امتد به المقام، مع الإنتصار الثاني الذي حققه فريقه الكروي. ولايمكن أن تمر من كورنيش أكادير، على وجه الخصوص، دون أن تلفت انتباهك هذه الكائنات المتلفعة بالأخضر، والكثيرة الجلبة والصراخ، كما لو كانت تحرص على استمالة المارّة من خلال إعلانها الزائد عن الحضور في الفضاء العام.
والأكاديريون المعروفون بميلهم إلى حياة الهدوءـ والكتمان في القول والحركة، والذين يمرون من الفضاء العام دون أن يثيروا انتباها، ويتجنبون، بطبعهم الأضواء، يُدركون، قبل غيرهم، مقدار ما حلّ ببعض المرافق العامة من تغير جراء حلول هذا الوافد العابر عليها.
لسنا هنا بصدد مناقشة الطباع المختلفة للمغاربة من جهة لأخرى، بل ومن مدينة لأخرى، فهي نتاج لتركيب معقد من أنواع التنشئات الإجتماعية، والوسط الأسري، والظروف الإقتصادية. لذلك، فهي مؤشر، قبل كل شيء، يُتيح، في حده الأدنى، ممارسة لعبة المقارنات بين مكونات ساكنة البلد الواحد..
غير أن مايستفزّني في سلوك هؤلاء المشجعين العابرين، سيما اليافعين منهم والشبان، هو التفاخر، وبصوت عال، بمناسبة وبغيرها، بانتمائهم البيضاوي.. لذلك، كثيرا ما التقط سمعي في كورنيش أكادير، نهاية الأسبوع الماضي، لازمة “أنا بيضاوي”، أو “حنا راه بيضاوة”، تخرج من أفواه ثلة معتبرة من هؤلاء..لازمةٌ، يحرصون على إسماعها لمن “يهمه الامر” ومن لايهمه. واللهجة التي تُقال بها تنمّ عن أن قائلها لايقولها، فقط من باب التعريف المجاني، بالهوية ، بل من باب الزهو والتفاخر . بل أكاد أشتمُّ منها رغبة ضمنية في إعلان التحدي للمخالف ، أي لغير البيضاوي، ودعوة مبطّنة إلى منازلته، فقط لأنه “غير بيضاوي”.
فعلى ماذا ينطوي هذا السلوك الإستفزازي، والإستعراضي الصبياني، والنكوصي في وسط جمهور كروي..؟ جمهور يُفترض أنه يتحلى بأخلاق رياضية، و أنه حضر إلى المدينة لتشجيع فريق رياضي، لا للإستعراض الهوسي لهويته المجالية، والإلحاح على ذلك، وإيهام كل من ليس على هذه الهوية، بأنه مغربي من الدرجة الثانية، أو الثالثة، أو من البخّوش فقط.. على ماذا ينطوي هذا الهذيان البدائي؟
ينطوي، قبل كل شيء، على دلالة قوية مؤداها أن العقلية الإقصائية والإستبدادية ليست، دائما و حصريا، من نصيب الحاكمين، بل قد تكون صفة في الشعب نفسه، يستقوي من خلالها بعضه على بعض. ف “أنا بيضاوي” كوجيطو متخلف معناه، في هذا السياق، أنني من أكبر المدن المغربية، والأكثر مسايرة لأنواع الموضة حتى في مجال الوقاحة السلوكية.
ويتوهم الواهم، من خلال هذا المتخيل النرجسي المريض، أنه، في انتظار أن يلتحق المغاربة الآخرون بمستوى البيضاء، ما عليهم إلا أن يتحمّلوا حماقاته في عقر دارهم، واستفزازه لهم، وتخريبه لممتلكاتهم، والتحرش بنسوانهم.. وغيرها من السفالات. فالصبر على هذا البيضاوي الأخرق هو شرط الإلتحاق بركب الحضارة المغربي، كما يرسمه البيضاوي النرجسي في مخيلته المريضة، ومن خلال ذاته المنتفخة والمتورّمة. والحال أن أخلاق التمدّن التي تستميل في المتقدم فعلا، هي الغائب الأكبر والمطلق عن عنتريات هذا البيضاوي، الذي يضرب عرض الحائط حتى وجوب احترام خصوصيات المضيف، وتوقير ما جَبَل عليه فضاء الإستقبال من عوائد.
و الهوس بترديد اللازمة المرضية “أنا بيضاوي” في مدينة غير الدار البيضاء، ومن قبل بيضاوي حقيقي أو منتحل، فضلا عن أنه سلوك صبياني غارق في نرجسية مجانية، هو أيضا رسالة مؤداها أن معلن هذا الإنتماء يبحث، من خلاله، تعامل الغير معه، أي غير البيضاويين كافة، وكذا القوانين المعمول بها والأعراف المرعية، تعاملا إمتيازيا، يقوم على نوع من الحظوة التي يستمدها افتراضا، لا من تفوق معرفي وأخلاقي و حضاري، وحتى رياضي، بل فقط من انتماء مجالي إلى مكان.. إنتماء يحمل قيمته في ذاته، كما لو كان فضاء مقدسا، أو مجالا أسطوريا، أو أكَدالاً، بالمعنى الأنثربولوجي، أي مُنزّها عن كل مساءلة أو شبهة أو نقائص بشرية، كما يعرف ذلك أهل الإختصاص بصدد كلمة “أكَدال” في المتخيل المغربي.
أعتقد أن هذا الهوس المرضي بالإنتماء البيضاوي، وإشهاره كتحد في وجه المواطنين غير البيضاويين، هوس يحكي عنه مغاربة من مدن أخرى بالتواتر، ينم عن تخلف كبير في الوعي بحقيقة المواطنة، التي تجعل كل المواطنين متساوين في القيمة، ولا يرتفع أحدهم عن آخر إلا بمقدار ما أنجزه من مكاسب حضارية في مجال من المجالات.. وهؤلاء الذين ينعقون بانتماءهم البيضاوي في سوس هذه الأيام، يريدون إقناعنا أن الصراخ والتكسير، ورمي الأزبال والفضلات في كل مكان، والتجاسر على أعراض الناس ومحلاتهم التجارية، هي مكاسب بالمقلوب، يستحقون عليها تعاملا تمييزيا إيجابيا، وحظوة ومراعاة.. إنه الفهم المقلوب للتفوق في هذا الزمن الرديء جدا، بأهله طبعا!
يدركون جيدا ألّا أحد سيُصدِّقهم، و يُجاريهم في هذا الإدعاء الأخرق، بل إنهم بسلوكهم الهذائي والعدواني يُكرّسون الصورة النمطية للبيضاوي الهمجي، والفوضوي، والمسكون بهذاء التفوق المجالي الذي لا تدعمه حجج الإنجاز الذي يستحق هكذا تمييزا وحظوة وتشريفا وتكريما ومحاباة.
ولي اليقين أن البيضاويين الأصلاء هم أول من يستنكر ما آلت إليهم صورتهم وسمعتهم في المدن ألاخرى، بسبب هؤلاء السفهاء الأدعياء الذين هجموا كالبعوض على البيضاء الشامخة (أذكر فقط أن الهمج، لغة، هو البعوض) بتحريض من إدريس البصري وشلته السطاتية، فعاثوا فيها فسادا قبل أن يفعلوا في مدن أخرى.
فالبيضاويون الأصلاء تحسروا لهذه البَدْونة البَصْرية القسريّة التي تعرضت لها حاضرتهم، حتى أنهم توزعوا بين من غادرها قسرا، أو آثر الصمت وينظر بآسى إلى المصير الحزين لأنفا الشامخة، أو ساير الموجة دون أن يقف في وجهها ولم يدعمها بوجدانه. وقد تبين هذا من خلال ردود أفعال ثلة من هؤلاء الأصلاء بعد الخطاب الملكي حول الوضع المأساوي للبيضاء، ردود نشرتها يومية “الصباح”. ومن هؤلاء المتحسِّرين بيضاويون مسلمون ويهودا ومسيحيين، حكوا كلهم، بأسى وأسف عن الزمن الجميل للبيضاء الذي ولى بعد هجوم جحافل البصري عليها..
أعرف، شخصيا، بيضاويين من هذه الطينة المنقرضة، وكنتُ معجبا بهم أشد الإعجاب في دماثة خلقهم، وسعة أطلاعهم، ونخوتهم، وحبهم للحياة، وممارستهم الرقيقة لفنون العيش، وكثيرا ما حاولت الإستفادة منهم.. هؤلاء، للأسف، إفتقدتهم البيضاء، بل والمغرب كله، لأنهم، فعلا، كانوا نماذج لنا في تعلم قواعد التمدن التي تشرّبوها من عشرتهم الطويلة للفرنسيين والغربيين عموما، بل ألفتي معهم دفعتني إلى أن أتصاهر معهم.
وهذه المسلكية الإستقوائية للبعض على البعض في أوساط المواطنين، يجد فيها الكسالى والعدوانيون وعديمو الأخلاق و المروءة والوصوليون من بينهم، ضالتهم لفرض وقاحاتهم وبذاءاتهم وأنانيتهم الضيقة على الشرفاء منهم وأصحاب الذمة، أو ممن نسميهم في العامية “أولاد وبنات الناس”.. الذين يُوثرون الصمت عندما تكثر الجلبة، والإنسحاب عندما يهجم القبح.
لذلك ، تكرر السيناريو نفسه في الصحراء المغربية، عندما تحول الإنتماء لأحد الأقاليم الجنوبية إلى ورقة امتياز يُشهرها هذا الصنف من الناس ليبرر تجاوزاته، أو شبحيّته الوظيفية، أو للتطاول على حق الغير، أو للعيش عالة على المال العام الذي هو، في المحصلة، مال الشعب بكل مكوناته. لذلك، صارت لازمة “أنا صحراوي” مرادفة لرغبة أحدهم في الحصول على امتيازات بدون وجه حق، أو على حساب غيره.. ومرة أخرى، فالسياسيون، من الضفتين، بقصر نظرهم وأنانيتهم، وجشعهم، هم الذين شجعوا هذه الشعبوية المقيتة، ومعها ظهور مثل هذه الطفيليات التي تعتقد أن المواطنة ورقة لا تصلح إلا للمزايدة والمتاجرة والإبتزاز. والحال أن إعلان الإنتماء إلى جهة، أو مدينة، أو أي حيز ترابي كان، يجب أن يحتكم إلى لغة الإنجاز، لا إلى لغة الإبتزاز.
إن ظاهرة إستقواء مواطنين على مواطنيهم، سواء من خلال امتياز مجالي متوهم، أو علاقات قرابة أو جهات متنفذة، أو حتى من خلال أسطورة “النسب الشريف” التي عمّرت طويلا، يتحمل فيها المواطن، بلا شك، نصيبه من المسؤولية، غير أن هذا لا يعفى غباء الحاكمين، و تواضع حسهم الوطني من نصيبهم فيها أيضا.
إن فترة البصري ومأساة البيضاء، والتدبير السيء لملف الصحراء، ليسا سوى مثالين صارخين في هذا الإتجاه. و البيضاوي النرجسي والصحراوي/العالة هما منتوجهما الصرف الذي لا زال الحس الوطني السليم والسوي يَمجُّ مظاهرها الصادمة، والصادرة عن كائنات لا تقلُّ صدماً بمسلكيتَّها المنحطة وسعارها الصبياني، وزعيقها الموسمي المُلوِّث للمجال والروابط الإنسانية داخل الوطن الواحد، والمعيقة، بكل تأكيد، لتطوره، وانتعاش ثقافة المواطنة في أبهائه.
فلا شرف إلا شرف القول والفعل والإنجاز.. وما عداه هلوسات تليق للدراسة من منظور علم النفس المرضي والإختلالات السلوكية.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
Test © جميع الحقوق محفوظة