تحليل سياسي: عن “انتقائية” مذكرات المحجوبي أحرضان

جمال العبيد

السياسة في المغرب ماتت منذ زمان، وأصبح سياسيونا مجرد كائنات ستظل شاهدة على موت السياسة بمعناها الحقيقي، أو في نسختها المغربية
جمال العبيد
جمال العبيد
البئيسة. وطبعا الخاسر الوحيد من كل هذا هو المواطن الذي عقد آمالا على السياسيين في هذا الوطن وأعتقد أنه بمجرد وصولهم إلى المسؤولية سيشرعون في الوفاء بجميع إلتزاماتهم، الإجتماعية منها على وجه الخصوص…
العكس تماما هو الذي حدث، حيث تنكر السياسي لجميع وعوده مع المواطن، وأصبحت السياسة في نظره مجرد وسيلة لخدمة مصالح حزبه وحلفائه، وليس مصالح المواطن المقهور مع الإرتفاع الصاروخي على مستوى المعيشة والهبوط “الإنتحاري” على مستوى الكرامة وما أدراك ما الكرامة.
السياسي للأسف لم ينقلب فقط على وعود برنامجه الإنتخابي، تحت مبررات يجب أن تكون غبيا أكثر من اللازم لكي تتفهمها، ولكن أيضا عندما قرر الحديث عن الفترة التي قضاها في السياسة، وبالأخص بعض الأحداث المهمة في تاريخ المغرب التي عايشها، وكانت لها انعكاسات كبيرة على مغرب “العهد الجديد”.
الكلام هنا عن المذكرات التي “صدع لنا بها رؤوسنا” مؤسس الحركة الشعبية المحجوب أحرضان، وقال في العديد من المرات أنها ستنفض غبار السرية عن العديد من أحداث مغرب ما قبل وما بعد الإستقلال، إلا أن المفاجأة كانت كبيرة عندما قال أحرضان خلال اللقاء الصحافي الذي عقده مؤخرا للإعلان عن الجزء الأول من مذكراته: “مَن قتل عباس المسعدي مازال حيا يرزق بيننا، لكن قطعت وعدا على نفسي أن لا أفصح عن هوية القاتل”.
عباس المسعدي بالمناسبة هو أحد أعضاء جيش التحرير المغربي الذي تمت تصفيته جسديا ومازال القاتل  إلى يوم الناس هذا مجهولا.
ما قيمة المذكرات السياسية إن لم تكن جريئة وصادقة، والهدف منها قول الحقيقة أمام الله والتاريخ، إعتمادا طبعا على أدلة ملموسة قادرة على إقناع الطرف الآخر بأنها الشهادة الصحيحة، أما الباقي فمجرد تفسيرات وتأويلات، تفتقد إلى الصوابية والمنطق؟
المحجوبي أحرضان رفض التطرق في مذكراته إلى ملف اغتيال عباس المسعدي، رغم توفره على العديد من التفاصيل حول القضية، وهذا يعني بدون شك أن مذكراته خضعت وستخضع لمنطق الإنتقائية المنسجمة مع قاعدة “تفادى الحديث عن أي شيء قد يعرضك للمشاكل مع المخزن”.
إخفاء الحقائق ليس بالأمر الجديد عن “المقاوم” المحجوبي أحرضان، فقد سبق له أن قال قبل سنوات في حوار صحافي مع أسبوعية “الأيام” أنه ليس السياسي الوحيد الذي استحوذ على هكتارات محترمة من الأراضي مقابل أثمنة رمزية، وهؤلاء يعرفهم جميعا، لكنه لم يتجرأ على ذكر أسمائهم لأن هدفه كان الدفاع عن حقه من كعكة الأراضي، وليس فضح الأطراف التي تسطو على أراضي الدولة، وتدعي في المقابل أنها اشترتها بصفة قانونية؟
المحجوبي أحرضان كان سيخضع لتحقيق قضائي دقائق بعد انتهاء مؤتمره الصحفي بسبب كلامه حول قاتل عباس المسعدي، وهذا طبعا لو كنا في دولة تريد فعلا أن تتصالح مع ماضيها الأسود.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
Test © جميع الحقوق محفوظة