أيام كان الجواز يشبه الزواج عبد الله الدامون في زمن مضى، كان حصول مواطن مغربي على جواز السفر يشبه الحصول على بطاقة لدخول الجنة، وهذه ليست مبالغة كبيرة، لأن مغاربة كثيرين جدا كانوا يعتقدون أوربا جنة، لذلك من الطبيعي أن يكون الجواز هو بطاقتها. الذين منعوا المغاربة من الحصول على وثيقة إدارية عادية، مثل جواز السفر، لم يكونوا يفعلون ذلك بدون أسباب، فقد كانوا يستمتعون بعذاب الناس ومعاناتهم، وكانوا أيضا يريدون تحويل الجواز إلى دجاجة تبيض ذهبا، لأن مغاربة كثيرين دفعوا الملايين من أجل الحصول على الجواز. في ذلك الزمن، كان العالم مفتوحا أمام الجميع بلا تأشيرة ولا تعقيدات زائدة، يكفي أن تحصل على جواز السفر لكي تستطيع التوجه نحو أي مكان، لذلك كان من الطبيعي أن يجعلوا منه كنزا لا يقدر بثمن. كان الحصول على الجواز حينذاك يتطلب الانتظار وقتا طويلا، يعدُّ بالشهور أحيانا وبالسنوات أحيانا أخرى، والناس لا زالوا يتذكرون كيف أقيمت حفلات ب«الغيطة والطبل والدقة المراكشية» احتفالا بالحصول على الجواز.. فالفرق بين الجواز والزواج لم يكن كبيرا. بعد ذلك، صار جواز السفر لا يساوي الأوراق التي طبع عليها، فقد صار بالإمكان الحصول عليه في نصف يوم أو نصف ساعة، لأن التأشيرة صارت هي كل شيء. اليوم، يصعب على الذين لم يعيشوا تلك الفترات الحالكة أن يصدقوا ما كان يحدث، ويصعب عليهم أن يسمعوا حكاية تقول إن فلانا حصل على جوازه مقابل عشرة ملايين سنتيم، ويصعب عليهم أن يصدقوا أن المسؤولين كانوا يتلذذون كثيرا بتعذيب المغاربة وحلبهم حتى آخر رمق. زمن «الباسْبور» الذهبي يتذكره الناس مقرونا برجل اسمه ادريس البصري، ذلك الوزير الذي كان يقول للطير اِنزل فينزل، لكن الأغبياء فقط من سيصدقون أن وزيرا للداخلية، بدأ شرطيا بسيطا، كان قادرا على كل ذلك البطش والتنكيل بالناس، لأنه لم يكن سوى موظف عند الملك الراحل الحسن الثاني، وهو صرح مرارا بأنه ينفذ أوامر وتعليمات الملك، والملك الراحل كان يرمز إلى فترة بكاملها ونظام بكامله. لكن للأيام مكرها وللأقدار سخريتها، حيث يتذكر الناس جميعا كيف بقي ادريس البصري في باريس يطلب تجديد جواز سفره شهورا طويلة بعد أن أتى عليه الدور في تذوق طعم التهميش والإقصاء، وظل كذلك حتى جاءه جواز الآخرة. عندما كان المغاربة ممنوعين من جواز السفر، وهم بسطاء المغاربة بتعبير أصح، كان المئات أو الآلاف من كبار القوم يدخلون ويخرجون من البلاد كما يدخلون ويخرجون من منازلهم، فالعالم ملك يمينهم والقارات طوع أمرهم، وفوق هذا وذاك حصلوا على كل أنواع الجنسيات، بدءا بالجنسية الفرنسية والأمريكية، ومرورا بالأسترالية والكندية والإسكندنافية، وانتهاء بجنسيات أخرى لا تخطر على بال. المغاربة البسطاء كانوا يحلمون بجواز السفر لكي يهاجروا للحصول على لقمة عيش لم يجدوها في بلادهم، وعندما كان يتحقق لهم ذلك فإنهم كانوا يرسلون الكثير من المال إلى ذويهم في المغرب، وبذلك تحولوا إلى الرافد الأساسي للبلاد بالعملة الصعبة، أي أن السياح، الذين نطبل ونزمر لهم صباح مساء، لا يقدمون إلى البلاد مثل ما يقدمه إليها أبناؤها الدراويش الذين غادروها مرغمين وبشق الأنفس. هكذا، صار فقراء البلاد، الذين هاجروا إلى كل مناطق العالم بحثا عن لقمة عيش، هم الذين يمدون بلادهم بأسباب البقاء، أما الذين كانوا يخرجون من البلاد، حتى بدون جواز سفر، فقد كادوا يوصلون البلاد إلى السكتة القلبية بعدما قاموا بتهريب كميات قياسية من العملة الصعبة إلى الخارج، وفوقها كميات كبيرة من الذهب. ها هم «الدراوش» المغاربة في الخارج لا يزالون يرسلون إلى بلادهم الملايير من العملة الصعبة، ولا زالوا يشكلون رقما أساسيا في التوازن الاجتماعي ببلادهم، لأنه بدون تلك الأموال التي يرسلونها ستتعرض ملايين الأسر للإفلاس، ويسير المجتمع المغربي نحو البوار. وها هم الأغنياء المغاربة الذين يتوفرون على جنسيات من كل نوع لا يزالون يهربون أموال المغاربة نحو الخارج ويملؤون بها البنوك والخزائن الأجنبية ويهددون المجتمع المغربي، في كل يوم، بالبوار والسكتة الدماغية الحادة. وها هو رئيس الحكومة، عبد الإله بنكيران، يرسل عبارات الود والمحبة إلى أولئك المهربين الكبار الذين جففوا ينابيع البلاد ويتوسل إليهم إعادة ولو جزء يسير من تلك الأموال إلى البلاد؛ بينما لا يتذكر، ولو بنصف كلمة، ملايين المغاربة في الخارج الذين لولا تحويلاتهم المالية لكانت هذه البلاد قد خربت منذ زمن.
أيام كان الجواز يشبه الزواج
أيام كان الجواز يشبه الزواج عبد الله الدامون في زمن مضى، كان حصول مواطن مغربي على جواز السفر يشبه الحصول على بطاقة لدخول الجنة، وهذه ليست مبالغة كبيرة، لأن مغاربة كثيرين جدا كانوا يعتقدون أوربا جنة، لذلك من الطبيعي أن يكون الجواز هو بطاقتها. الذين منعوا المغاربة من الحصول على وثيقة إدارية عادية، مثل جواز السفر، لم يكونوا يفعلون ذلك بدون أسباب، فقد كانوا يستمتعون بعذاب الناس ومعاناتهم، وكانوا أيضا يريدون تحويل الجواز إلى دجاجة تبيض ذهبا، لأن مغاربة كثيرين دفعوا الملايين من أجل الحصول على الجواز. في ذلك الزمن، كان العالم مفتوحا أمام الجميع بلا تأشيرة ولا تعقيدات زائدة، يكفي أن تحصل على جواز السفر لكي تستطيع التوجه نحو أي مكان، لذلك كان من الطبيعي أن يجعلوا منه كنزا لا يقدر بثمن. كان الحصول على الجواز حينذاك يتطلب الانتظار وقتا طويلا، يعدُّ بالشهور أحيانا وبالسنوات أحيانا أخرى، والناس لا زالوا يتذكرون كيف أقيمت حفلات ب«الغيطة والطبل والدقة المراكشية» احتفالا بالحصول على الجواز.. فالفرق بين الجواز والزواج لم يكن كبيرا. بعد ذلك، صار جواز السفر لا يساوي الأوراق التي طبع عليها، فقد صار بالإمكان الحصول عليه في نصف يوم أو نصف ساعة، لأن التأشيرة صارت هي كل شيء. اليوم، يصعب على الذين لم يعيشوا تلك الفترات الحالكة أن يصدقوا ما كان يحدث، ويصعب عليهم أن يسمعوا حكاية تقول إن فلانا حصل على جوازه مقابل عشرة ملايين سنتيم، ويصعب عليهم أن يصدقوا أن المسؤولين كانوا يتلذذون كثيرا بتعذيب المغاربة وحلبهم حتى آخر رمق. زمن «الباسْبور» الذهبي يتذكره الناس مقرونا برجل اسمه ادريس البصري، ذلك الوزير الذي كان يقول للطير اِنزل فينزل، لكن الأغبياء فقط من سيصدقون أن وزيرا للداخلية، بدأ شرطيا بسيطا، كان قادرا على كل ذلك البطش والتنكيل بالناس، لأنه لم يكن سوى موظف عند الملك الراحل الحسن الثاني، وهو صرح مرارا بأنه ينفذ أوامر وتعليمات الملك، والملك الراحل كان يرمز إلى فترة بكاملها ونظام بكامله. لكن للأيام مكرها وللأقدار سخريتها، حيث يتذكر الناس جميعا كيف بقي ادريس البصري في باريس يطلب تجديد جواز سفره شهورا طويلة بعد أن أتى عليه الدور في تذوق طعم التهميش والإقصاء، وظل كذلك حتى جاءه جواز الآخرة. عندما كان المغاربة ممنوعين من جواز السفر، وهم بسطاء المغاربة بتعبير أصح، كان المئات أو الآلاف من كبار القوم يدخلون ويخرجون من البلاد كما يدخلون ويخرجون من منازلهم، فالعالم ملك يمينهم والقارات طوع أمرهم، وفوق هذا وذاك حصلوا على كل أنواع الجنسيات، بدءا بالجنسية الفرنسية والأمريكية، ومرورا بالأسترالية والكندية والإسكندنافية، وانتهاء بجنسيات أخرى لا تخطر على بال. المغاربة البسطاء كانوا يحلمون بجواز السفر لكي يهاجروا للحصول على لقمة عيش لم يجدوها في بلادهم، وعندما كان يتحقق لهم ذلك فإنهم كانوا يرسلون الكثير من المال إلى ذويهم في المغرب، وبذلك تحولوا إلى الرافد الأساسي للبلاد بالعملة الصعبة، أي أن السياح، الذين نطبل ونزمر لهم صباح مساء، لا يقدمون إلى البلاد مثل ما يقدمه إليها أبناؤها الدراويش الذين غادروها مرغمين وبشق الأنفس. هكذا، صار فقراء البلاد، الذين هاجروا إلى كل مناطق العالم بحثا عن لقمة عيش، هم الذين يمدون بلادهم بأسباب البقاء، أما الذين كانوا يخرجون من البلاد، حتى بدون جواز سفر، فقد كادوا يوصلون البلاد إلى السكتة القلبية بعدما قاموا بتهريب كميات قياسية من العملة الصعبة إلى الخارج، وفوقها كميات كبيرة من الذهب. ها هم «الدراوش» المغاربة في الخارج لا يزالون يرسلون إلى بلادهم الملايير من العملة الصعبة، ولا زالوا يشكلون رقما أساسيا في التوازن الاجتماعي ببلادهم، لأنه بدون تلك الأموال التي يرسلونها ستتعرض ملايين الأسر للإفلاس، ويسير المجتمع المغربي نحو البوار. وها هم الأغنياء المغاربة الذين يتوفرون على جنسيات من كل نوع لا يزالون يهربون أموال المغاربة نحو الخارج ويملؤون بها البنوك والخزائن الأجنبية ويهددون المجتمع المغربي، في كل يوم، بالبوار والسكتة الدماغية الحادة. وها هو رئيس الحكومة، عبد الإله بنكيران، يرسل عبارات الود والمحبة إلى أولئك المهربين الكبار الذين جففوا ينابيع البلاد ويتوسل إليهم إعادة ولو جزء يسير من تلك الأموال إلى البلاد؛ بينما لا يتذكر، ولو بنصف كلمة، ملايين المغاربة في الخارج الذين لولا تحويلاتهم المالية لكانت هذه البلاد قد خربت منذ زمن.
0 التعليقات:
إرسال تعليق