
عبد الحق آيت اسماعيل
تقتضي الممارسة الديموقراطية كما هي متعارف عليها، وجود مجتمع مدني قوي و مؤثر يلعب دور التأطير و الضغط من أجل المحافظة على المسار
الديموقراطي و النهج التشاركي، عبر تأهيل وتثقيف وتوعية المجتمع من جهة، والتأثير في السياسات الحكومية، وبذلك فإن هذه الأنشطة تكون واسطة فاعلة، بين الفرد والحكومة، التي عادة ما تكون منشغلة بالاهتمامات والشؤون الاستراتيجية، عن تفاصيل ودقائق حياة المجتمع ومتطلباته.
فعبر هذه المكونات ينشط المجتمع المدني، ليكون مكملا للنظام العام، في إطار النهج الديمقراطي، من خلال النقاش الحر ونشر الأفكار والرؤى، وإقامة المؤتمرات والندوات العامة، وطرح مشروعات التعاون الفكري في ممارسة الخلاف والتوافق وتقريب وجهات النظر، لتمكين الحكومة من اتخاذ القرارات الملائمة لجهة مصلحة الفرد والمجتمع.
تعتبر مؤسسات المجتمع المدني، الإطار الأمثل لتنشئة المواطنين على القيم الديمقراطية في حياتهم اليومية وتدريبهم عمليًا على الممارسة الديمقراطية، وإكسابهم خبرة هذه الممارسة، من خلال النشاط اليومي لهذه المؤسسات، خاصة وأن هذه الأخيرة تضم في عضويتها آلاف المواطنين الذين اجتذبتهم إلى عضويتها، لما تقوم به من دور في الدفاع عن مصالحهم، أو تقديم خدمات لهم، أو تحسين أحوالهم المعيشية.
وتلعب مؤسسات المجتمع المدني دورها في التنشئة والتدريب على العملية الديمقراطية، من خلال العلاقات الداخلية لكل مؤسسة، وما تتضمنه هذه العملية من مشاركة في النشاط والتعبير عن الرأي، والاستماع إلى الرأي الآخر، وهي أمور ضرورية لأي ممارسة ديمقراطية.
وكلما أصبحت مؤسسات المجتمع المدني أكثر ديمقراطية في حياتها الداخلية، فإنها تكون أقدر علي المساهمة في التطور الديمقراطي للمجتمع كله، وأكثر قدرة على إكساب أعضائها الثقافة الديمقراطية، وتدريبهم عمليا من خلال النشاط اليومي علي خبرة الممارسة الديمقراطية.
النسيج الاجتماعي المتنوع من الأفراد والمصالح، يستوجب من المنظومة السياسية الدستورية، أن تضمن سماع أصواتهم واحترام آرائهم..
لكن الملاحظ في حالتنا المغربية انها تشكل استتناء فعلا. فنحن لم نقطع بعد مع مرحلة طبخ المبادرات الجمعوية على المقاس، ومازالت جوقة التطبيل و التهليل تمارس مهامها داخل ما يسمى بالمجتمع المدني عندنا لكل ما تجود به قريحة السلطات من إجراءات و تدابير للشأن العام.
على سبيل المثال حين نسمع أن 1000 جمعية اجتمعت في مناظرة و ناقشت محاور من قبيل “قيم الديمقراطية وبناء دولة الحق والقانون”، و”تفعيل الإجراءات الدستورية المرتبطة بالمجتمع المدني وأدواره الدستورية”، و”قانون الجمعيات وضرورة الملاءمة مع الدستور، والمواثيق والعهود الدولية والقانون الدولي”، و”الإجراءات والتدابير المالية والضريبية المتعلقة بالجمعيات”، و”البنيات التحتية وحق الجمعيات بالإضطلاع بأدوارها بفعالية ونجاعة ”.. يتبادر الى الاذهان ان هناك بالفعل حركية في المجتمع المدني، لكن بالعودة إلى بناء و تشكيلة المؤتمرين يتضح غياب امتلاك الادوات المعرفية اللازمة و الاستقلالية والوضوح في الاهداف و الاليات. أسوق هنا مثلا آخر هو الندوة الشهيرة التي أُريد بها خلق نقاش حول التدريس بالدارجة، لغرض في نفس يعقوب (تحوير النقاش حول ترسيم حقيقي للغة الامازيغية) و بدعم من دوائر عليا في سلطة القرار.
هناك أسباب معروفة، لا أحد يتحرك من أجل معالجتها، تقف وراء التردّي الواضح لدور منظمات المجتمع المدني، وأولهم السلطة، أي أن السلطة هي المعوّق الرئيس لتطور ونجاح منظمات المجتمع المدني، فضلا عن الأسباب الأخرى، ومن بينها مرجعيات هذه المنظمات الاجتماعية والثقافية والسياسية وسواها. حيث أن اغلبيتها منبثقة من مجتمع لم يصل بعد الى درجة الوعي، التي تؤهله لحماية حرياته وحقوقه، وهو مجتمع يحابي القوة في الغالب، أعني بها قوة السلطة.
بطبيعة الحال لا غرابة في ضعف المجتمع المدني المغربي، لأنه منبثق من حاضنة تحمل مواصفات الضعف نفسها، لكن الغرابة تكمن في محاولات جهات سياسية حزبية، منها مَن يشترك في إدارة شؤون الدولة، ومنها مَن يمارس المعارضة، بتزييف وتعويق عمل منظمات المجتمع المدني، عندما تُفرض عليها مهام المساندة المسبقة مقابل التمويل وما شابه.
فضلا عن الفساد الذي يشوب أنشطة ووجود هذه الجمعيات، وغياب الديموقراطية الداخلية، الأمر الذي أضعف دورها الرقابي التصحيحي، لمسارات الانحراف في العمل الحكومي، أما في الدول الديموقراطية، فغالبا ما يكون هناك صراع بين منظمات المجتمع المدني من جهة، وبين الحكومة من جهة ثانية، وهو صراع الند للند، إذ تغيب سيطرة الحكومة كليا على المنظمات المدنية في الدول المتطورة، بل من أساسيات نجاح الحكومات، أنها تُسهم بقوة في تطوير عمل المجتمع المدني، من خلال عدم التدخل في أنشطتها بصورة تامة، مع أنها ملزمة بدعم هذه الجمعيات ماديا، ومع طابع الصراع الذي يقوم بين الطرفين، إلا أن الحكومة والسلطة لا تستطيع التدخل إطلاقا في عمل المنظمات المدنية.
قد يتساءل البعض، لماذا لا يرتقي المجتمع المدني المغربي إلى هذا المستوى من الرقابة والدور التصحيحي؟ ولماذا لا تعي السلطة نفسها، أن حماية وتطوير الدور الرقابي لمنظمات المجتمع المدني، يساعد على بناء الدولة الدستورية، ويمنح الحكومة فرصا أكثر للنجاح في إدارة شؤون المجتمع؟
من الواضح أننا نفتقد لميزة الاستقلالية والقوة الاقتراحية، بين المنظمات المدنية وبين أجهزة السلطة، لذا نلاحظ في الغالب ضعفا كبيرا في دور هذه المنظمات، تساعد عليه الحكومة، بدلا من أن تحد منه، ظنا من أشخاص نافذين والموظفين الكبار العاملين في الأجهزة الحساسة وغيرهم، أن امتيازاتهم ومنافعهم يمكن أن تتعرض للخطر والتقويض، في حالة وجود قوة رقابية حقيقية لمنظمات المجتمع المدني.
ولكن منطق العقل السياسي يقول، إن دعم المجتمع المدني وحماية استقلاليته في العمل والتنظيم والرقابة، يُسهم في بلورة وتأسيس مسارات تصب في بناء الدولة المدنية، التي تنفع وتحمي وتطور المجتمع بكامل طبقاته، بما فيها الطبقة السياسية الحاكمة، فضلا عن ميزة النجاح الكبيرة، التي تفوز بها الحكومة في حالة دعمها للمنظمات المدنية من دون أن تطالبها بالمقابل، أو تستعملها لصالحها.
المطلوب دعم منظمات المجتمع المدني، وتنشيط دورها الرقابي على الحكومة والسلطة، والمساهمة الجادة في تحويل دورها من الحياد، أو الإصطفاف الحكومي، إلى دور الرقيب المصحح والكاشف لموطئ الانحراف والزلل الحكومي.

0 التعليقات:
إرسال تعليق