مُشعوذ ومُريدون: “سي عبد الرحمان.. المسكون” جمع وسخ الدنيا والجسد!

نوال قاسمي

الساعة تشير إلى الثامنة صباحا.. المكان «عيادة» أو كهف (سي عبد الرحمان) الفقيه… «طبيب» لا يحمل شواهد جامعية… متعدد الاختصاصات… يقصد «زاوية الشريف» الفقراء والأغنياء.. «فقيه» يفك السحر، يشفي الأطفال الصغار من «الجعرة» والكبار من «التوكال»، يصرع الجن، يقرأ عبر الكف، ويتنبأ بالمستقبل، يصنع تعويذات تحمي حامليها من العين و«العكس»، تعويذات تمنحهم هبة القبول لدى باقي الناس، شموع المحبة «الخيوبة» وحرق «الشراوط»، فك الثقاف… وما إلى ذلك من أمراض اجتماعية وليدة الجهل والفقر والأمية والعوز والكبت والتخلف…
«أنا مسكون تيسكنوني جنيان عيشة وحمادي»
بسطاء يتكبدون من الخيبة ما يكفي، جعلوا ملاذهم في الأوهام علها تشفي أمراضهم الباطنية من كبت، عوز، حاجة، فقر، جهل، ضعف إيمان… وجدوا ضالتهم في رجل «مجذوب»، لا يتعلق الأمر هنا بعبد الرحمان المجذوب، الذي تختزنه الذاكرة والتراث المغربيين، بل هو رجل آخر يحمل نفس الاسم لا يمت له بصلة
ل«سي عبد الرحمان الشريف» أو الفقيه، كما يلقبه زواره الراغبون في نيل «بركته»، حسب اعتقادهم، هم أتباع آمنوا بقدراته الوهمية الخارقة، حيث كان ملاذهم الوحيد لتغذية جهلهم والهروب من خيبتهم، إذ جعلوا منه وسيلة يستعينون بها على مفاجآت القضاء والقدر، ومن مصائب الإفلاس وغيرها من المشاكل والإكراهات.
كان رجلا في عقده الخمسين، كثير الكلام… يتفوه بالعديد من الترهات و«الحماقات»…حيث قال لنا أثناء زيارتنا له: «أنا شريف زهري من يديَّ الاثنتين والسرة…» ، ولم يجد حرجا في الكشف عن موضع سرته… بهدف إقناعنا بقدراته «الخارقة»، وأضاف «أنا مسكون تيسكنوني جنيان عيشة وحمادي…» .
إنه مازوشي وسادي… يختبئ في ثوب حمل وديع، نحيف الجسم وقصير القامة، ذو ظهر مقوس، وجهه شاحب ممتلئ بتجاعيد البؤس، طغى اللون الأحمر على بياض عينيه، كما أن قلة النوم والإرهاق جعلا محيطهما ممتلئا بالهالات السوداء. يضع نظارات قديمة، سُمك زجاجها شبيه بقعر «كؤوس حياتي» النادرة، شفتاه زرقاوتان وأسنانه صدئة. يرتدي ثيابا رثة وخفيفة في فصل الشتاء، حيث يقشعر بدنه ويتقوس ظهره من شدة البرد. يأكل وجبة واحدة أو وجبتين في اليوم، ولا يتناول الطعام حتى يتضور جوعا.
ورشة اشتغال «سي الفقيه» هي غرفة صغيرة، تحتوي على أريكة قديمة مهترئة الجوانب، وحصيرة صغيرة «مأكولة» الحواشي، أصبح لونها باهتا. كذلك فقدت شكلها الطبيعي، وأخذت شكل دائرة عوض مستطيل. يبدو أنها تعرضت لهجوم من لدن قبيلة الفئران التي تشاطره نفس المسكن، وتعترض على نوعية وكم الطعام غير الكافي. أما طاولة الجلوس، فتتكون من كرسي قديم ثُبت بمسامير صدئة، وأريكة قديمة كلها رقع ربما أعيدت «خياطتها» بأسمال بالية. بالإضافة إلى وسادة متسخة مقطعة ومليئة بالجوارب وأكمام الملابس القديمة. عموما إن الأثاث البائس يعود للعصور الوسطى.
أما عُدة الشغل التي يستعملها في «أعماله» ، فهي عبارة عن وسائل بدائية ضمنها شموع بيضاء وحمراء وصفراء وسوداء، حبر أسود وريشة قديمة، أوراق صغيرة على شكل مستطيل، سلة بيض و«اللدون»، مياه في قارورات متسخة يقشعر البدن لرؤيتها، ولون هذه المياه يختلف من قارورة لأخرى، فهذه تحمل اللون الرمادي وأخرى البني. إضافة إلى قارورات أخرى مملوءة بمياه لونها شبيه بسائل البول… وأغراض أخرى يبدو أنها آثار مأخوذة من زواره.
الجنية التي تمنع “سي عبد الرحمان” من الأكل والاغتسال! 
يظهر المكان موحشا وقديما، شبيها بمغارة مهجورة تعود للزمن الأول، متسخ وكأنه غار فئران بحيث «تسكنه عيشة قنديشة» على حد تعبير الجيران. الجنية تمنع «السي عبد الرحمان» من النظافة والأكل والشرب، كذلك تنظيف المرحاض الذي تنبعث منه من حين لآخر رائحة كريهة، إضافة إلى رائحة الصرف الصحي. تمتزج الروائح بعضها ببعض فتعطي رائحة ممقوتة تخنق وتحرق العينين.
إن هيئة «الشريف السي عبد الرحمان» وتقاسيم وجهه تنم عن الفقر والعوز. فرغم أنه من «الأغنياء» لكن مظهره لا ينم عن ذلك، فهو لا يملك «العمارة» التي يسكنها فحسب بل مالك لعدة عقارات، هو لم يرثها عن أجداده، وإنما جنى المال عبر نصبه على أصحاب العقول البسيطة والساذجة، لكن لايزال إلى يومنا هذا بئيسا وبخيلا، ولم يغادر جلباب أبيه الرث.
يجني المال الكثير نظير خدمات وهمية، يقول: «أسخر الجن لخدمة الإنس ولا آخذ سوى الباروك، المهم الحاجة راه مقضية…» يدعي أنه غير مادي والعكس صحيح، فهو يقدم خدماته نظير مبالغ مالية باهظة أحيانا. ويتم تحديد التسعيرة حسب نوع الخدمة، كذلك نوعية الزبون. إنه يعشق النقود ولا يحب الهدايا، يقول: « لا حاجة لي بالهدايا… فمطالب الجن كثيرة، ويتطلب ذلك المال الكثير…» . وقد جاء على لسان زبونة ممتعضة منه: « إن هذا الشخص طمّاع لا يتردد في بيع الهدايا المقدمة إليه …».
يطلق بخورا ربما يحتوي على مادة مخدرة تشعر الوافدين بالذهول والاسترخاء، آنذاك يردد أتباعه أو سماسرته «راه خدمة مزيانه وخط دايز الكلام…» وبعض جيرانه الذين «يتبركون» به، يقولون «إنها بركات الزاوية ورجالها…» ، مضيفين «طالبين التسليم أ رجال البلاد أ هل المكان…» !؟
عناوين للشعوذة…
إذا قمنا برصد ظاهرة الشعوذة والممارسات اللاأخلاقية اللصيقة بالمجتمع المغربي في «الدولة الحديثة»، وذلك عبر استطلاع للرأي واستقصاء آراء الزبناء، خارج مدار الزاوية، من المؤكد أن المعادلة ستكون معكوسة. ولا شك أن غالبية الوافدين سيعلقون « إن السحر والشعوذة خطر عظيم … وخدمات إن دامت فيزول مفعولها خلال يومين أو ثلاثة أيام، لأن الله يبطل مفعولها، ويحذر منها كذلك يشدد في حكمه على السحرة والمشعوذين…». سيستنكرون هذه الأعمال ويدينون «الزاوية» المتحدث عنها أعلاه و«أتباعها»، معززين وجهة نظرهم بقوله تعالى: [وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى [ (طه: 69 )، لكنهم يشجعون هذه الممارسات بشكل خفي، مما يسهم في استفحال الظاهرة.
يبدو أن أغلبية النساء الوافدات على «سي عبدالرحمان» ، متخفيات في عباءات سوداء وألوان داكنة، وكأنهن في حفل تنكري، تضعن نظارات سوداء، بوجوه وملامح كئيبة، ينتظرن دورهن على أحر من جمر، للتخلص من العار والمذلة، علما أن نسبة مهمة من نساء «الطبقة الراقية» وبعض القاطنات بالخارج «يقضين أغراضهن» عبر الهاتف، وبالمقابل يرسلن حوالات تحول مباشرة إلى الحساب البنكي لـ«سي عبد الرحمان».
تجمعات يختلط فيها الحابل بالنابل … كل واحد «يلغي بلغوه» هذا يبكي همه وذاك يبث شكواه، أما البعض الآخر، فيحللون ويناقشون أمور السياسة والصحة بالقليل من العلم والكثير من الإدعاءات الساذجة، كذلك يجتهدون في إسداء نصائح مجانية عجزت وزارة الصحة عن تقديمها للمواطنين!
هنا تلتقي الأضداد جميعها، تختلط العقول ويمتزج عبق العطور العالمية برائحة «الريفدور» أو رائحة الثوم والبصل والقرنفل، الثقافة بالأمية، العلم بالجهل، الفقر بالغنى، و كل التناقضات في شخص شقين، خادمات البيوت «الشقيات» وسيدات المجتمع «الراقي» يحملن ضمائر مستترة أو غائبة، الغلبة فيها للعار لا للنور.
مشعوذ ومريدون
إن المكان ممتلئ عن آخره، الكل ينتظر بترقب، أخيرا وبعد طول انتظار يخرج «الشريف» من غرفته بخطى ثابتة. يلقي «السي عبد الرحمان» التحية على زبنائه ويطمئن على أحوالهم، وضمن الوافدين من يعرفه عز المعرفة، بل أدخل واجب الشريف ضمن مصروفه الشهري أو الأسبوعي. والغريب في الأمر أن زيارة «الشريف» لم تعد حكرا على النساء فقط ، كما هو متداول في مجتمعنا، بل إن معشر الرجال أيضا يقصدونه، حيث يدخلون عبر باب آخر، وكأنهم يبتاعون سلعة من المتجر اللصيق بـ«الزاوية»!
أغنياء وفقراء يتوافدون على «عيادة الشعوذة»، طمعا في تحقيق الوعود، وضمن هؤلاء الزبناء بؤساء وأشقياء ساقهم الحظ العاثر صوب «السي عبدالرحمان» فقراء لا يتوفرون على قوت ليلتهم، ولا يتناولون اللحوم الحمراء إلا في الأعياد والمناسبات العائلية، لكن رغم معاناة العوز والحرمان، يحاولون إشباع أطماعه وتحقيق مطالب لا تنتهي. ولو كان الأمر على حساب ربط الأحزمة على البطون الفارغة كي لا تصاب بالجوع، فيهدونه قرابين وأضحية من ذبائح أكباش وثيران ، دجاج أسود، كقربان حسب طلب الجن، يضعها في مخزن بالسطح في محل سكناه. ويتردد أن المشعوذ لا يقدم الذبائح للأسياد وإنما يحملها في الصباح الباكر لبيعها ويقبض ثمنها!

بتصرف عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
Test © جميع الحقوق محفوظة