تحليل اجتماعي: المغربي المُمزّق بين الطبع الإجتماعي والعدوانية، فهل يحب الجماعة أم يكره العزلة؟

عبد الله زارو

أرى في مايراه المتردد على الفضاءات العمومية أن الإنسان المغربي شغوف بمخالطة أشباهه في الفضاءات العمومية. و يقيني أن هذه الصفة يشتركها مع كل
عبد الله زارو
عبد الله زارو
الشعوب المتوسطية، وإنْ بجرعات زائدة.
وقد لفتت هذه الخاصية في هذه الشعوب عالم اجتماع فرنسي مُجدّد، هو (جان دوفينيو) إلى الحد الذي إبتكر لها مفهوما سوسيولوجيا خاصا سمّاه la parlerie، وهو مايمكن تعريبه بالمِهذارية.. معنى ذلك أن المغاربة، كغيرهم من شعوب جنوب المتوسط، يخالطون كثيرا بعضهم في الفضاءات العامة لأجل التحدث في كل شيء ولاشيء، ربما أملا في الإنتصار على الزمن من خلال “قتل الوقت”.
غير أن هذه الميولات الإجتماعية الظاهرة في سلوكهم اليومي، والتي تشهد عليها المقاهي والأسواق وأماكن التبضع والحمامات، وغيرها من مواطن الجلبة والتدافع والصراخ والتلصص الجماعي، باتت أيضا موطنا لكل التعبيرات الجماعية الممكنة عن عدوانية لافتة.
فالمغاربة لايطيقون فراق بعضهم، و حين يجتمعون لا يحتمل بعضهم بعضا. ففي هذه الفضاءات، أبسط الأفعال يمكن أن تترتب عنها ردود فعل غير متناسبة لأنها تُقرأ، غالبا، على أنها صادرة عن أصحابها بغرض استفزاز الغير، أو التنقيص من قدره. و قد تكون هذه الأفعال رشّة ماء في حمّام عمومي يصيب رذاذها مستحما مجاورا، أو دفعة كرسي في مقهى أو دفعاً بمنكب في سوق أو عطسة قوية في حانة، أو أضواء قوية منبعثة من سيارة ليلا، أو حتى تحديقا غير مقصود في شخص على قارعة الطريق.. حتى كادت تصدُق على الإنسان المغربي الآية القرآنية عن نفسية المنافقين المهزوزة : يحسبون كل صيحة عليهم.. هم العدو، قاتلهم الله أني يوفكون”.
فما الذي جعل نفسية المغاربة وسلوكهم الإجتماعي المتناقض على هذا الحال من السوء والهشاشة؟
أعتقد أن السبب الرئيسي كامن في أن المغاربة،ب طبعهم، وبالنظر إلى تواضع متاعهم الفكري، يشتركون مع كثير من الشعوب المتخلفة في خوفهم الرهابي من العزلة. فالعزلة تذكّر صاحبها بحقيقته و بلا مساحيق، وبوزن وبلا مُنشّطات، لأنها تضعه في مواجهة مباشرة مع ذاته. والحال أن هذه الذات ليس لديها كثيرا ما تحكي عن نفسها وعن مجريات العِلم والعالم على نحو جاد ومعقول، أي أنها تفتقر إلى تقدير الذات، هكذا تجد ملاذها في الهروب من ماهيتها إلى المجتمع/ هروب ليس تعبيرا عن حبها له، بقدر ما هو تعبير عن خوفها من العزلة.
والحال أن التهافت على أماكن الإجتماع بالآخرين، باتت تُشوّش عليه سلوكات عدوانية مرضية، حولت الفضاء العمومي إلى مطرح لتفريغ الشحنات الزائدة من العدوانية في الغير المعروف والغفل سواء بسواء.
هكذا أضاف المغاربة إلى خوفهم الرهابي من ذواتهم خوفا رهابيا من الأماكن العمومية (الأغورافوبيا)، تُفسّره سلوكاتهم العنيفة غير المتناسبة والمجانية واالمضحكة أيضا إزاء بعضهم.
درجنا على القول أن الغرب فرداني والشرق إجتماعي. غير أن هذه المُسلّمة بدأت في أفولها، إن لم يكن أفولها قد قطع أشواطا معتبرة. فالأعمال السوسيولوجية ل”مافيزولي” سعت، في مجملها، إلى بيان هذا الأفول بالحجة والبرهان.. (طالع كتابه الطريف: “زمن القبائل.. أفول شمس الفردانية في الغرب وصعود نجم الجموع”). حتى أن الفكرة ثبَّتها الرجل في مفهوم قائم بذاته سميناه في ترجماتنا المتتالية لكتبه الأنسية (من الأُنْس عندما يتحول إلى مسلكية اجتماعية راتبة وغالبة).
غير أن عودة الغربي إلى الإختلاط بالغير، وشغفه هو أيضا بالمِهذارية والإحتكاك والإلتصاق بالآخرين، لا تُفسدها هذه العدوانية عند الإختلاط بالآخرين في المجتمع المغربي..
فهل معنى ذلك أنه لأجل الميل السليم، إلى الإجتماع بالآحرين والشغف بالفضاءات العامة، لابد من المرور من مرحلة صارمة وطويلة من الفردانية؟
وهل معنى ذلك أن الطبع الإجتماعي الظاهر للمغاربة إنما هو تعبير، في العمق، عن فراغ داخلي وعدم تحمل الذات المنعزلة لفراغها، وتعويضها له بالإختلاط العشوائي بمن هبّ ودبّ، كما يُقال؟
ألا يُصدّر المغربي توتراته الفردية إلى الفضاء العمومي، عملا بالقولة المعروفة: إذا عمت هانت، وبقولة أخرى: عليّ وعلى أعدائي؟
فهل هي ميولاتٌ إجتماعية إختيارية أو ناتجة عن دوافع قهرية؟
كل المؤشرات التي أبصرناها ولا زلنا نبصرها، من شرفة العين، في فضاءاتنا العمومية، تدل أنها تعبير ضاج عن سلوكات قهرية وحِيل علاجية وتعويضية لاشعورية.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
Test © جميع الحقوق محفوظة